يزيد بن محمد الأزدي

486

تاريخ الموصل

--> - هارون بالحربة ، فاجتنبه الناس وتركوا السلام عليه ، وكان يحيى بن خالد بن برمك يتولى أمور الرشيد بأمر الهادي فقيل للهادى : ليس عليك من أخيك خلاف إنما يحيى يفسده فبعث إليه وتهدده ورماه بالكفر ، ثم إنه استدعاه ليلة فخاف وأوصى وتحنط وحضر عنده ، فقال له : يا يحيى ما لي ولك قال : ما يكون من العبد إلى مولاه إلا طاعته فقال : لم تدخل بيني وبين أخي وتفسده على ؟ فقال من أنا حتى أدخل بينكما ؛ إنما صيرني المهدى معه ثم أمرتني أنت بالقيام بأمره فانتهيت إلى أمرك فسكن غضبه . وقد كان هارون الرشيد طاب نفسا بالخلع فمنعه يحيى عنه ، فلما أحضره الهادي وقال له في ذلك ، قال يحيى : يا أمير المؤمنين إنك إن حملت الناس على نكث الأيمان هانت عليهم أيمانهم ، وإن تركتهم على بيعة أخيك ثم بايعت لجعفر بعده كان ذلك أوكد للبيعة ، قال : صدقت وسكت عنه ، فعاد أولئك الذين بايعوه من القواد والشيعة فحملوه على معاودة الرشيد بالخلع فأحضر يحيى وحبسه فكتب إليه : إن عندي نصيحة ، فأحضره ، فقال له : يا أمير المؤمنين أرأيت إن كان الأمر الذي لا تبلغه ونسأل الله أن يقدمنا قبله - يعنى : موت الهادي - أتظن الناس يسلمون الخلافة لجعفر ؛ وهو لم يبلغ الحنث أو يرضون به لصلاتهم وحجهم وغزوهم ؟ قال : ما أظن ذلك قال يا أمير المؤمنين : أفتأمن أن يسمو إليها أكابر أهلك مثل فلان ويطمع فيها غيرهم فتخرج من ولد أبيك - والله - لو أنت هذا الأمر لم يعقده المهدى لأخيك لقد كان ينبغي أن تعقده أنت له فكيف بأن تحله عنه وقد عقده المهدى له ؟ ! ولكني أرى أن تقر الأمر على حاله ، فإذا بلغ جعفر أتيته بالرشيد فخلع نفسه له وبايعه ، فقبل قوله وقاله : نبهتنى على أمر لم أتنبه له وأطلقه ، ثم إن أولئك القواد عاودوا القول فيه فأرسل الهادي إلى الرشيد في ذلك وضيق عليه ، فقال له : يحيى استأذنه في الصيد فإذا خرجت فابعد ودافع الأيام ففعل ذلك وأذن له فمضى إلى قصر بنى مقاتل فأقام به أربعين يوما فأنكر الهادي أمره وخافه فكتب إليه بالعود فتعلل عليه فأظهر الهادي شتمه وبسط مواليه وقواده ، فيه ألسنتهم ، فلما طال الأمر عاد الرشيد وقد كان الهادي في أول خلافته جلس وعنده نفر من قواده وعنده الرشيد وهو ينظر إليه ثم قال له : يا هارون كأني بك وأنت تحدث نفسك بتمام الرؤيا ودون ذلك خرط القتاد فقال له هارون : يا موسى إنك إن تجبرت وضعت ، وإن تواضعت رفعت وإن ظلمت قتلت وإن أنصفت سلمت وإني لأرجو أن يفضى الأمر إلى فأنصف من ظلمت ، وأصل من قطعت ، وأجعل أولادك أعلى من أولادي وأزوجهم بناتي وأبلغ ما يجب من حق الإمام المهدى فقال له الهادي : ذلك الظن بك يا أبا جعفر ادن منى فدنا منه فقبل يده ، ثم أراد العود إلى مكانه ، فقال : لا ، والشيخ الجليل والملك النبيل - أعنى المنصور - لا جلست إلا معي فأجلسه في صدر مجلسه ، ثم أمر أن يحمل إليه ألف ألف دينار ، وأن يحمل إليه نصف الخراج ، وقال لإبراهيم الحراني : أعرض عليه ما في الخزائن من مالنا وما أخذ من أهل بيت اللعنة - يعنى : بنى أمية - فليأخذ منه ما أراد ففعل ذلك فقام عنه . وسئل الرشيد عن الرؤيا ، فقال : قال المهدى : رأيت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيبا وإلى هارون قضيبا فأورق من قضيب موسى أعلاه ، وأورق قضيب هارون من أوله إلى آخره فعبرت لهما أنهما يملكان معا ، فأما موسى فتقل أيامه وأما هارون فيبلغ آخر ما عاش خليفة ، وتكون أيامه أحسن أيام ودهره أحسن دهر ، فكان كذلك ، وذكر أن الهادي خرج إلى حديثة الموصل فمرض بها واشتد مرضه ، فانصرف وكتب إلى جميع عماله شرقا وغربا بالقدوم عليه . فلما ثقل أجمع القواد الذين كانوا بايعوا جعفرا وتآمروا في قتل يحيى بن خالد ، وقالوا : إن صار الأمر إليه قتلنا ، وعزموا على ذلك ثم قالوا : لعل الهادي يفيق ، فما عذرنا عنده ؟ فأمسكوا . -